يوم عجيب في زاوية "الشيخ الكامل" بتمكناسة



بعدما يُطرح السؤال، يندهش الجاهل. هذا أمر استيقنت منه بعد زيارتي لضريح الولي الصالح "الشيخ الكامل" بتمكناسة. والبداية كانت مع رجل التقيته يتسكع في المكان آتيا من البيضاء، فسألته : لماذا أتيت إلى هنا، أجاب مندهشا: لا أعرف، هذه الأمور روحية، وتريحنا، لذلك نأتي لها. لكني تعجبت بعدما قال لي إنه لا يعرف من هو الراقد في هذا الضريح أصلا !!
زاوية الشيخ الكامل بعدستي
الحالة الثانية، وبعدما اقتربت لأطرح عليها بعض الأسئلة، بدأت تتهرب مني كأني وحش، "لماذا تكتب؟" "لمن تريد إعطاء ما تكتبه؟" "لن أخبرك بأي شيء" لم ترغب في إخباري لا باسمها ولا عمرها ولا عدد المرات التي أتت فيها إلى "الزاوية". "كتب بلي 30 عام هادي وأنا كنجي لهنا" تكذب علي لكي لا أعرف المدة الحقيقية، لماذا ؟ لماذا كل هذا الخوف ؟ (لا أخفي أني كنت سعيدا عندما ظن البعض أننا صحفيين، أو نعمل لحساب 2M، بل إن البعض كان سعيدا لأننا نسأله، والبعض لم يرغب في أن نفترق عنه، والبعض اعتبرنا كضيوف عنده يرحب، ويدعو لنا بالنجاح .. كنت حقا أشعر بالتميز، وخصوصا عندما يستوقفك شرطي (في لباس مدني) أو جندي .. ليستنطقك من أنت؟ وماذا تكتب؟ ولماذا تكتب؟ ولمن تكتب؟ ثم "أعطني بطاقة الطالب الخاصة بك" أوكِ شّاف هاك البطاقة.)
زوار "الزاوية" ينقسمون إلى : سيّاح، سيّاح، سيّاح، مرضى يرجون التعافي، ممسوسون من الجن يرجون التخلص منه، مسحورون، منجذبون أو متملكون بسحر المكان، وسيّاح. من مختلف الأعمار والأجناس ( نساء، رجال، شيوخ، صغار، شباب، أطفال ...) والأمثلة في ما يلي :
السيدة (س) من الدار البيضاء، 33 سنة، ( تخصص كمياءbac+4 )، أول مرة تزور المكان، بسبب مرض أو سحر، تقول : " قبل أن آت إلى هنا كنت أحس بالموت في بعض الأحيان، كنت أحس بالاختناق لدرجة أني أرغب في القفز من النافدة" وتتابع " جئت إلى هنا من دون شعور، لم أكن أؤمن بهذه الأمور إلا بعد أن رأيت "الحقيقة" بأم عيني، سحر خرج من جسدي على شكل دخان بعد الزيارة" ثم " جن بداخلي يجب أن يخرج، وهذه محكمة الجن".
الحالة الأخرى من مدينة سلا، امرأة في الأربعينيات تقريبا، لا تعمل، قالت لي أنها أتت للزاوية أول مرة بسبب مرض "رجليا كينعسو عليا". ومنذ هذه الزيارة وهي (تنجذب) إلى المكان، وإذا لم تأتي تصاب بمرض. تدوم زيارتها أربعة أيام كل عام " حتى يطلقوني جوادي" حسب قولها. وأنا أتحدث مع هذه المرأة، انضمت إلينا امرأة أخرى، أظنها صديقتها، تبلغ من العمر ستين عاما، قالت لي أنها أتت للمكان منذ سن الخمسة عشر، ومنذ تلك الفترة وهي (تنجذب) هي الأخرى للزاوية "آكل الزجاج، وأضع رأسي وسط النار ... "
لم يتسنى لي الحديث مع حالات عديدة، بسبب رفض البعض، وبسبب مضايقات المسؤولين والشرطة .. ولأني اعتقدت، للحظة أن كل زوار هذه "الزاوية" هم كما ذكرت سابقا.
ومن الأمور التي تشترك فيها الأغلبية من الزوار –الراغبين في الشفاء- هي أنهم أصيبوا بمرض معين، وبعد أن فقدوا الأمل في الطبيب، ودواء الصيدليات، ودواء "الطب البديل"، لم يبقى لهم من أمل سوى الالتجاء إلى هذا الضريح الذي يرقد فيه "الشيخ الكامل"، رحمه الله، ليطلبوا الشفاء، ويتخذوا الشيخ كوسيطة، أو كمصدر للبركة أو يلتمسوا الشفاء منه مباشرة بوصفه يمتلك كرامات ..
انتابني شعور غريب وأنا أرى - ما أسمته امرأة كانت قربي – "السبوعا" (وهم رجال ونساء من مختلف الأعمار) يركضون ويضربون صدورهم بأيديهم، يصدرون زئيرا كزئير الأسود، ويتجهون نحو الضريح كأنه فريستهم، وكأنهم أسود جائعة. ربما لاشتياقهم الكبير له. إنه اشتياق المحب للمحبوب، دائما يكون كاشتياق الأسد للفريسة. هؤلاء هم "المحضرين" ويسمون " السبوعا" ينقسمون إلى "الجمال" وهم الرجال و "اللبويات" وهم النساء –حسب المرأة-. يأتون في مجموعات "الطايفات" كل مجموعة لها اسم. من الأسماء التي عرفناها : "الغور"، "التغاري"، "ولاد يسف"، "علاغ"، "غرم"، "الصّحابين". قال لي زائر: قديما كان الناس –المرضى- يجلسون في الشارع –على وضعية النوم- ليمر من فوقهم هؤلاء "السبوعا" راجين من ذلك الشفاء، وإن منهم، فعلا، من كان يشفى بهذه الطريقة، وقدّم لي مثالا لامرأة كانت مصابة بشلل، إلا أنها وقفت تمشي على رجليها سالمة، بعد مرورهم فوقها.
ما اندهشت له، هو ما قيل لي عن أن هؤلاء الأشخاص، وأثناء "الحضرة" أو "الجدبة"، يقطّعون "عتروسا" أسودا لم يذق طعم النار قط. إنه أمر غريب فعلا. قد "يفترسونك" إن كنت تلبس لباسا أسودا. إنهم يكرهون اللون الأسود والأحمر. لا أعرف لماذا، سأسأل أحد ورثة الشيخ لاحقا.
لا أريد أن أطيل في وصف كل الأمور والمجريات، لكم أن تزوروا وتكتشفوا بأنفسكم، إنها تجربة مدهشة حقا، أرجو أن لا أكون قد أخطأت في نقل بعض الملاحظات أو الشهادات ..

1 التعليقات:

mohamad alali يقول...

شكرا جزيلا لك
http://arateamss.blogspot.com/

إرسال تعليق